الخميس، 26 ذو القعدة، 1428 هـ

5- تابع البحث

المبحث الثاني:

كيف يعبث الشعراء المعاصرون بـ(ال)؟؟

لا ريب أن إجابتنا على الاستفهام الذي يدور حول (ال) ودخولها على المضارع،أهو ضرورةٌ أم اختيار؟كانت شافيةً كافية في المبحث الأول،فدخولها عليه على الأغلب ضرورة شعرية عند الجمهور، وإن عدّوها قبيحة،لذا لا نودُّ التَّزمّت والتّعنُّت في حكمنا على شعر المعاصرين بل لا بُدّ من أن نتّخذ من الموضوعيّةِ منهجاً لنا في البحث علّنا نرْقى به إلى مستوى الدراسة التطبيقية،وقد قال الخليل بن أحمد كلاماً يُلامس فيه ما ينبغي أن يتّسم به الشاعر من حرية وامتياز إذ يقول:"والشعراء أمراء الكلام يصرفونه أنّى شاؤوا ويجوز لهم مالا يجوز لغيرهم من إطلاق المعنى وتقييده ومد المقصور وقصر الممدود والجمع بين لغاته والتفريق بين صفاته واستخراج ما كلّت الألسن عن وصفه ونعته والأذهان عن فهمه وإيضاحه فيُقرّبون البعيد ويبعّدون القريب ويُحتج بهم ولا يُحتج عليهم ويصوّرون الباطل في صورة الحق والحق في صورة الباطل" (1)
بعد نظرة الخليل الواسعةِ الأفق للشاعر على أنه أمير الكلام يصنع به ما يشاء فاللغةُ بين يديه طينةٌ يخلقُ منها ما يعُنُّ على خاطره من شطحات الخيالْ ويُقولبها حسب ما يناسبه من أشكالْ، بعد قولِه لا يسعنا إلا أن نغضّ البصر عمّا يرتكبه المعاصرون في أشعارهم الحداثيّة من إدخال (ال) على المضارع بشرط أن تكون موزونةً مُقفّاة تقتضي الضرورة،أما أن يتجاوزوا ذلك إلى إدخالها على الأفعال الماضية والحروف والأفعال الناقصة!! فهذا مالا نقبله إذ لا مسوِّغ له..
وظاهر كلام الخليل أن للشاعر مُطلق الحرية في صياغة شعره وله أن يتلاعب باللغة كيف يشاء!!والحقيقة أن الخليل لم يُعدّد الضرورات في مقولته إلا لأنه يقصد أن باب الضرورة في الشعر مفتوح ،بيد أنه مُحدّد بتجاوزات معروفة عند العرب كقصر الممدود ومد المقصور فليس لنا مثلاً أن ننصب فاعلاً في الشعر ونقول ضرورة!!

وممّا وقع بين أيدينا من شعرٍ للمعاصرين أدخلوا فيه (ال) على المضارع,
قولُ الشاعر السعودي فاضل الجابر(2)في قصيدته نهايات قصية
ورياح المسافات تأخذني لأقاصي النهايات في قصتي
الـ تحتفي بانبلاجك فيها وتنثرني في بقاع الجوى(3)

ويقول أحمد المنعي الشاعر السعودي الشاب،في قصيدةٍ له
منشورة على صفحات الانترنت باسم (سرت ريح الجنوب)(4):

ونازف شعره دمعاً سخينا
يُذيب العاشقين إذا يذوبُ

بكى أرض الشمال وساكنيها
وأحرقه من الوجدِ اللهيبُ

ألا يا ليت كلّ غريب دارٍ
إلى الدار الـ يحِنُّ لها يؤوبُ


ويقول الشاعر السوري عبد الناصر حداد في قصيدته غيمة الروح:(5)
وعدتُكَ
إما أجيئك كُلّي
نقيّاً كسِرّك
أو أدفن الـ يتبقى بقلب الرمادْ

وقد أكثر من إدخال (ال) على المضارع بشكلٍ لافتٍ في شعره ومن ذلك قوله:
لو تركتم رياحي على رسلها أو مياهي على سيلها
ثم حالي على حالها
لو تركتم يدي تقولُ الـ تقوله
لاستفاق الثّرى من سنين

ونلاحظ في إدخاله (ال) الموصولة على (تقوله) ثقلاً يقِفُ حائلاً دون انسياب الموسيقى في آذاننا
ولعلّ السبب في ذلك يكمن في تكرار ذات الحروف (تقولُ الـ تقوله)فتكرّرَ حرف القاف مرّتين كما تكررت اللام ثلاث مرّات ـ لام تقول ولام تقوله ولام (ال) ـ بالإضافة إلى الغرابة التي تصدم المتلقي،وربما حاول التخلّص من ثقل (الذي) وطولها المُخِلّ بوزن البيت فلجأ إلى (ال) إلا أنها لا تنتمي لهذا المكان بتاتاً كما لو أنها ناتئة عنه، فلو ساق (ما) الموصولة فقال:تقول ما تقوله لكانت في رأيي أكثر تناسقاً وجمالاً.
ويقول في قصيدة أخرى:
مقلتي غيمةٌ والرحى دائرة
أبَدَ اللحظة المرّةِ
الأبد الـ يشتري لعنة الموتِ والريح والعاصفات.
ويقول:
الستار الذي انهال يحجبُ كلّي
عروقي تنزُّ غياباً
غيابي الـ يفيضُ
أهال على ناظريّ

ويقول:
واضحٌ هذا الغموضُ الـ يعترينا
واضحٌ كاللغزِ مكشوفٌ كسرٍ
ورماديُّ الملامح.

ويقول الشاعر المغربي علي العلوي في قصيدته صمت الرحيل:(6)
وها صورتك الصامتة الـ تنبئ بالجُرح
الذي يسكن روحي


ويقول الشاعر السعودي محمد خضر:(7)
في المسافة الساحلية الطويلة
الكئيبة الـ تمضغ الكآبة

ويقول في قصيدة له بعنوان (شاهد يقلم أظفاره):
حكتْ عن نبوءة الحقل الـ تبدأ بعد الحصاد
حكت عن مرحلة المهد والخصوبة
التي اعترت النخل وبكائي القديم في حضرة القطب.
وكما ذكرنا فإدخال (ال)على المضارع ضرورة شعرية على رأي الجمهور،إلا أن قصائد محمد خضر نثرية،فهي لا تخضع لوزن معيّن،فما الداعي إذن لإقحامه (ال) في قصائده!!؟وإنما يدُل ذلك على شيوع هذه الظاهرة بين الشعراء المعاصرين عامةً وشعراء الانترنت خاصةً في الشعر والنثر على حد سواء.

ويقول الشاعر الفلسطيني يوسف الديك(8)في قصيدة له بعنوان امرأة:
نامي أيتها المرآة
الـ تتراءى فيها عينيّ
الـ يتوارى خلفها منكفئاً
فرح السنوات الدامي.


ويقول الشاعر الليبي محمد زيدان(9):
ها أنا الندبة في جبينك
وآسفٌ جداً للخطأ
ها أنا الـ أدورُ على قلبي
وهُنيهة الإيماض الأخيرة
تعتم في المدى الأخرس


وتقول الشاعرة السعودية الشابة هيلدا إسماعيل(10):
وأنا الـ أُشبهها سوءاً
نحشر بالـ(شوكولا) أعيننا.

ويقول الشاعر عثماني الميلود في قصيدةٍ منشورةٍ على صفحات دروب:(11)
مارون الراس ليس نجماً
وليس قشرة بصل
مارون الراس يُرعب ويُنعش
إنه الريح تهفو إلى الرياح
والماء اليعود إلى نبعه

ويقول الشاعر السوداني عالم عباس محمد نور في قصيدة بعنوان سلامٌ لوجهك في الخالدين:(12)
الله لك
يا أيها المُلقى بقارعة الدروب
يا أيها القلبُ الـ يذوب جوىً وليلك نام في نعش العشى
فدخول (ال) على المضارع (يذوب)هنا في غاية الروعة والإتقان،ولا سيما أنه قصدَ التعبير عن ذوبان قلبه فعبّر عنه بذوبان اللفظ في جملته، فأذاب(الذي) واقتصر على (ال)حتى وكأن الكلامَ يذوبُ في ثغرك وينساب عذباً إذا ما لفظتَ قوله (الـ يذوب)!!


وتقول الشاعرة السعودية نادية البوشي:
هو البوحُ يا خافقي لا تهاب انسكاباً حميما
على مرفأ الصدق الـ يحتفي بالوفاء
(13)

ويقول الشاعر السعودي حسن الصلهبي(14)
لا تلمنيْ إذا انتحلتُ القصيدةْ .. أين وجْهيْ ؟
أرى وُجُوهاً عديدةْ أنكرتني رغم التداني المرايا ..
رغم أنفاسها الـ يُقالُ جديدةْ(15)
ــــــــــــــــــــــ
(1)منهاج البلغاء/ص143...
الصاحبي لابن فارس/ص275...
(2)فاضل جعفر الجابر شاعر سعودي مواليد سنابس 1975له مجموعة شعرية واحدة
(مُتّسع للرحيل).
(3)ديوان الشاعر متسع للرحيل ص86
(4)www.alsakher.com
(5)عبد الناصر حداد شاعر سوري مواليد دير الزور 1972له ثلاث مجموعات شعرية.
(6)ديوان الشاعر (أول المنفى)ص29
(7)محمد خضر الغامدي شاعر سعودي مواليد أبها 1976أصدر ديوان (مؤقتاً..تحت غيمة)
(8)شاعر فلسطيني مواليد مدينة باقة الغربية 1959 له أربعة إصدارات.
(9)شاعر ليبي مواليد ودّان 1966له إصداران.
(10)شاعرة سعودية صدر لها (ديوان بين قوسين)و(أي..قونات)
(11)www.droob.com
(12)WWW.postpoems.com
(13)www.adabimadina.net شاعرة من المدينة المنورة..
(14)حسن الصلهبي شاعر من جيزان له ديوان شعري بإسم خائنة الشبه.. فائز بجائزة أبها للثقافة عام 1424
(15)ديوان الشاعر خائنة الشبه ص21

هناك 3 تعليقات:

صالح الهزاع يقول...

دارسة جميلة و تقصي أجمل

اعتقد أن إدخال أل على الفعل المضارع موجود في اللهجة المحكية العراقية ..

فالمسألة تجاوزت الشعر إلى النثر

إيمان الحمد يقول...

مرحباً بك في صفحتي أيها الشاعر المبدع..

فرِحةٌ أنا بهطولك كفرحِ الغيمةِ بتدلّي أوّلِ عنقودِ مطرْ!

فعلاً موجودة..وكما وضّحتُ في البحث هناك من يجيز ادخال (ال) على المضارع اختياراً في الشعر والنثر وهو (ابن مالك)بحجة أنها لهجة من لهجات العرب وليست ضرورة شعرية!
لكنني فنّدتُ قوله وأراني أميلُ إلى رأي الجمهور بأنها ضرورة شعرية ^_^
وهي لهجة عربية قديمة بلا شك إلا أنها لا تدخل في إطار اللغة المشتركة المنتقاة (الفصحى) لغة الأدب والثقافة عند العرب..لذلك لا يمكننا استخدامها في النثر المكتوب بلغة فصحى خالصة..وإنما وردت في الشعر الفصيح وهي بلا شك ضرورة خاصة به..وهناك ضرورات شعرية تعود إلى لهجات عربية مثل قصر الممدود مثلاً فهي لهجة قوم بينما تقضي اللغة الفصحى بنطق الهمزة في آخر الممدود..وإنما جاز قصرها في الشعر فقط..ولا أظننا نقصر ممدوداً في النثر بحجة أن ذلك لهجة من لهجات العرب!


شكراً..ولك تحيّات بعدد حبات المطر..

شركة تنظيف بالدمام شركة تاج يقول...


شركة تاج للتنظيف بالدمام 0551844053

شركة مكافحة حشرات بالدمام

شركة رش مبيدات بالدمام

شركة تنظيف شقق بالدمام


شركة تنظيف فلل بالدمام

شركة مكافحة حشرات بالخبر

شركة تنظيف بالدمام

شركة مكافحة حشرات بالاحساء

شركة مكافحة النمل الابيض بالاحساء


شركة مكافحة حشرات بالجبيل

شركة مكافحة النمل الابيض بالجبيل


شركة تنظيف منازل بالجبيل

شركة مكافحة النمل الابيض بالدمام

شركة تنظيف مجالس بالدمام